الذهبي
55
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
رأينا أحفظ من الصّوريّ [ ( 1 ) ] . وقال عبد المحسن البغداديّ الشّيميّ : ما رأينا مثله ، كان كأنّه شعلة نار بلسان كالحسام القاطع [ ( 2 ) ] . وقال السّلفّي : كتب الصّوريّ « صحيح البخاريّ » في سبعة أطباق من الورق البغداديّ ، ولم يكن له سوى عين واحدة . قال : وذكر أبو الوليد الباجيّ في كتاب « فرق الفقهاء » قال : حدّثني أبو عبد اللَّه محمد بن عليّ الورّاق ، وكان ثقة متقنا ، أنّه شاهد أبا عبد اللَّه الصّوريّ ، وكان فيه حسن خلق ومزاح وضحك ، لم يكن وراءه إلّا الدّين والخير ، لكنّه كان شيئا جبل عليه ، ولم يكن في ذلك بالخارق للعادة ، ولا الخارج عن السّمت . فقرأ يوما جزء على أبي العبّاس الرّازيّ وعنّ له أمر أضحكه ، وكان بالحضرة جماعة من أهل بلدنا فأنكروا عليه ضحكه وقالوا : هذا لا يصلح ولا يليق بعلمك وتقدّمك أن تقرأ حديث رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وأنت تضحك . وأكثروا عليه وقالوا : شيوخ بلدنا لا يرضون هذا . فقال : ما في بلدكم شيخ إلّا يجب أن يقعد بين يديّ ويقتدي بي . ودليل ذلك أنّي قد صرت معكم على غير موعد ، فانظروا إلى أيّ حديث شئتم من حديث رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، اقرأوا إسناده لأقرأ متنه ، أو اقرأوا متنه حتّى أخبركم بإسناده [ ( 3 ) ] . قال الباجيّ : لزمت الصّوريّ ثلاثة أعوام ، فما رأيته تعرّض لفتوى . وقال أبو الحسن بن الطّيوريّ : كتبت عن خلق فما رأيت فيهم أحفظ من الصّوريّ كان يكتب بفرد عين ، وكان متفنّنا ، يعرف من كلّ علم ، وقوله حجّة . قال : وعنه أخذ الخطيب علم الحديث [ ( 4 ) ] .
--> [ ( 1 ) ] تاريخ بغداد 3 / 103 . [ ( 2 ) ] تاريخ بغداد 3 / 103 . [ ( 3 ) ] تذكرة الحفاظ 3 / 1115 ، 1116 ، سير أعلام النبلاء 17 / 629 . [ ( 4 ) ] تاريخ بغداد 3 / 103 .